13/09/2009
حرب قد تغير كل الشرق الأوسط……. سعد محيو

الحرب الجديدة التي قد تشنّها “إسرائيل” ستُشبه، إذاً، إلى حد بعيد غزو 1982 من حيث الاستخدام الكثيف للقوات البرية، لكنها ستكون أيضاً شبيهة بحرب 2006 التي استخدم فيها حزب الله حرب العصابات الصاروخية المتحركة.
نقاط القوة “الإسرائيلية” في مثل هذه الحرب واضحة: القدرة على احتلال جزء من الأراضي اللبنانية، والأهم تهجير أكثر من مليون لبناني مجدداً، إضافة بالطبع إلى إلحاق دمار شامل بالجنوب وبالعديد من المناطق اللبنانية على غرار ماحدث في حرب غزة الأخيرة.
بيد أن نقاط القوة “الإسرائيلية” هذه قد تنقلب إلى نقاط ضعف قاتلة، إذا ما توافرت وتضافرت العوامل التالية:
* أولاً، دخول القوات السورية، المُجهّزة لخوض حرب العصابات الصاروخية على خط المعركة، سواء داخل الأراضي السورية أو اللبنانية، الأمر الذي سيجعل القوات “الإسرائيلية” المتقدمة في حال تمدد استراتيجي زائد وخطر، إذ هي ستكون مضطرة إلى خوض حروب عصابات مُكلفة بشرياً في رقعة جغرافية توازي مساحة فيتنام تقريباً.
* ثانياً، بلورة سريعة لوفاق وطني لبناني يحبط الهدف “الإسرائيلي” لتحويل اللاجئين المدنيين المحتملين إلى صاعق لتفجير حروب أهلية لبنانية جديدة، خاصة أن كل المؤشرات تدل على أن “إسرائيل” (كما أكد الجنرال مزراخي) تنوي مواصلة احتلال الجنوب إلى حين تحقيق كل شروطها السياسية، وفي مقدمها تجريد حزب الله من السلاح وربما أيضاً فرض معاهدة سلام على لبنان. وبما أن هذا قد يكون أمراً صعب المنال، لأن البنية العسكرية الرئيسة لحزب الله قد لا تتأثر بالغزو، فإن هذا سيفرض ضغوطاً هائلة على قدرة الدولة والمجتمع اللبنانيين على تحمل الأكلاف والمضاعفات، في غياب استراتيجية دفاع وطني تزاوج بين نظامي المقاومة والحرب التقليدية.
* ثالثاً، توافر بيئة إقليمية عربية وغير عربية (ودولية نسبياً) داعمة للمقاومة في لبنان، من شأنها منع “إسرائيل” من الاستفراد مجدداً بلبنان.
هل هذه العوامل واردة؟
القادة “الإسرائيليون”، وعلى رغم أنهم يضعون في الاعتبار احتمال اندلاع حرب مع سوريا، إلا أنهم يستبعدون دخول هذه الأخيرة الحرب.
لماذا؟ لسببين:
* الأول، لأنهم واثقون من أن قيام دمشق بتغيير بنية بعض فرقها العسكرية من مبدأ الحرب النظامية إلى مبدأ حرب العصابات هدفه دفاعي لا هجومي، ردعي لا استباقي.
* والثاني (وهو مشتق من الأول) أن تل أبيب أبلغت دمشق عبر قنوات أمريكية بأن أي مشاركة سورية في حرب جديدة في لبنان، ستدفع “إسرائيل” إلى الزحف على العاصمة السورية لإسقاط النظام فيها.
بيد أن هذه المعطيات قد تنقلب رأساً على عقب إذا ما تبيّن أن الأهداف “الإسرائيلية” من وراء أي حرب جديدة، ستعود إلى الصيغة التي وضعها شارون ثم المحافظون الجدد الأمريكيون، والقاضية بتغيير كل خرائط الشرق الأوسط، إذ حينها سيكون الانخراط السوري في هذه الحرب شبه حتمي.
على أي حال، وكيفما جرت الأمور، ثمة شيء واحد يبدو مؤكداً: كما أن حرب 1982 كشفت مخاطر التمدد الاستراتيجي “الإسرائيلي” الزائد، كذلك فإن نسخة جديدة من هذه الحرب قد تكشف عن الحدود والقيود الجديدة على حرية الحركة الاستراتيجية “الإسرائيلية”.
وهذا في حد ذاته حدث كبير للغاية، من شأنه أن يغيّر بالفعل خريطة الشرق الأوسط، لكن هذه المرة ليس لصالح “إسرائيل”.
12/09/2009
من شلولو أرغوف إلى “أبو شميد…… سعد محيو …
هل تكون حرب “إسرائيل” الجديدة، كما أشرنا بالأمس، نسخة ثانية من حربها في لبنان عام 1982؟
كل المؤشرات تشي بذلك. فحين يقول الجنرال مزراخي إن “إسرائيل” “ستقلع كل القفازات” في أي حرب جديدة، فهذا لا يعني سوى أن الحرب العتيدة ستكون أعنف وأكثر فتكاً من أي حرب أخرى خاضتها الدولة العبرية منذ عام 1948.
وحين يشدد مزراخي واشكينازي معاً على أنه، وعلى عكس حرب الأسيرين ،2006 لن يكون سلاح الجو هو الأساس بل القوات البرية، فهذا ليس له من ترجمة سوى أن “إسرائيل” تنوي تكرار سيناريو الغزو البري لجنوب لبنان وصولاً ربما إلى مشارف بيروت كما فعلت في 1982.
لايبدو أن ثمة خيار آخر أمامها سوى استنساخ تلك الحرب وإن بشكل أكثر عنفاً بما لا يقاس، بسبب التطويرات التكنولوجية الكبرى التي طرأت على الأسلحة خلال السنوات ال 27 الماضية.
لا بل يبدو أن التشابه بين الحرب الجديدة المحتملة وبين حرب 1982 يطال حتى سيناريوهات الإخراج الدبلوماسي لها.
ففي 3 يونيو/ حزيران ،1982 أعلن تنظيم أبو نضال مسؤوليته عن محاولة اغتيال السفير “الإسرائيلي” لدى بريطانيا شلولو أرغوف ما أدى إلى شلّه. وعلى رغم أن منظمة التحرير الفلسطينية أكدت رسمياً أنها براء من هذه العملية وترفضها، إلا أن قادة “إسرائيل” اعتبروا أنها هي المسؤولة وقال أحدهم (رفائيل إيتان، رئيس الأركان): “أبو نضال، أو أبو شميدال، لا فرق عندي. يجب تدمير منظمة التحرير”.
وفي أول سبتمبر/ أيلول ،2009 قالت “جيروزاليم بوست” إن السلطات “الإسرائيلية” اكتشفت محاولة من حزب الله لاغتيال رئيس الأركان أشكينازي انتقاماً لاغتيال الشهيد عماد مغنية، وأنه لو نجحت هذه المحاولة لكانت أدّت إلى حرب جديدة.
بيد أن المبررات “الإسرائيلية” لشن الحرب لا تتوقف عند محاولة اغتيال اشكينازي أو أي مسؤول “إسرائيلي” بارز آخر، بل تتمدد لتشمل أي عملية ضد أهداف “إسرائيلية” في أمريكا الجنوبية أو إفريقيا أو شبه جزيرة سيناء، حتى ولو نفى حزب الله مسؤوليته عنها. كما تشمل حتى نقل أسلحة من سوريا إلى الحزب تتضمن أجهزة دفاع جوي أو صواريخ بعيدة المدى.
كما هو واضح، بدأت “إسرائيل” تبحث عن ذرائع لشن الحرب. وهي لم تعد تفعل ذلك سراً بل علناً، الأمر الذي يشي بأنها ربما أنجزت الاستعدادات لخوض غمار القتال مجدداً بعد أن استوعبت (أو اعتقدت أنها استوعبت) دروس حرب 2006.
أكثر من ذلك: محاضرة مزراخي في مؤتمر اللطرون العسكري، ذهبت إلى حد توضيح الاستراتيجية السياسية التي سترافق العمل العسكري، حين قال إنه “لن يكون ثمة مفر من السيطرة على أراضٍ، إلى أن يتم التوصل إلى حل سياسي”. وهذا الموقف يتطابق حرفاً بحرف مع خطة أرييل شارون العام 1982 الذي أعلن هو الآخر خلال الزحف نحو بيروت أن القوات “الإسرائيلية” لن تنسحب من الأراضي التي سيطرت عليها ليس بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية منها وحسب، بل أيضاً بعد أن يبرم لبنان معاهدة سلام مع “إسرائيل”.
مناخات ،1982 إذاً، تعبق بالفعل في 2009. لكن، هل سيكون في وسع “إسرائيل” تحقيق ما عجزت عنه في ،2006 عبر تطبيق “مفهوم تايفن” الجديد؟ ليس بالضرورة. لماذا؟

11/09/2009
حرب 2006-2 أم حرب 1982-2؟…….سعد محيو
هل اقترب موعد الحرب الجديدة التي تحتاج “إسرائيل” إلى شنّها (سواء أكانت محدودة أو شاملة) كل ثلاث أو أربع سنوات، بسبب طبيعة كيانها الأيديولوجي الاستثنائي وموقعها الجيو-استراتيجي الفريد؟
ربما.
أو هذا على الأقل ما أوحى به قبل أيام قائد القوات البرية “الإسرائيلية” الجنرال أفي مزراخي، خلال المؤتمر العسكري الثالث الذي عقد في اللطرون تحت عنوان “المناورة في أرض وعرة ومُعقّدة”، بمشاركة لافتة من وفد لقيادة هيئة الأركان المشتركة الأمريكية.
نص محاضرة مزراخي لم يُنشر، لكن ما أوردته الصحف “الإسرائيلية” يكفي لتوضيح مدى خطورتها.
فهو قال إنه في أي حرب جديدة، لن يكون أمام “إسرائيل” من خيار سوى الاستخدام الكثيف لقواتها البرّية، لأنه “لن يكون بالمستطاع بعد كسب حرب من دون تحريك قوات على الأرض”.
وهو قال إن “ساحة القتال “المستقبلية” ستكون أكثر فتكاً لأن سوريا وحماس وحزب الله تواصل الاستثمار في البنى الأساسية تحت الأرض، وهي تعمل على تجنّب خوض حرب تقليدية. ولذا نحتاج إلى تقسيم قدراتنا بين سيناريوهي الحرب التقليدية والحرب غير التقليدية”.
بكلمات أوضح: مزراخي يطوّر ما كان توصّل إليه رئيس الأركان “الإسرائيلي” أشكينازي غداة العدوان على لبنان العام 2006 من ضرورة إعادة هيكلة الجيش “الإسرائيلي” كي يستطيع خوض حروب العصابات، في الوقت نفسه الذي يحتفظ فيه بقدرات الردع التقليدية والنووية.
وفي التقرير الذي رفعه أشكينازي إلى الكنيست في شهر آذار/مارس العام 2006 (ثم كرر فحواه خلال الأعوام الثلاثة التالية)، ركّز على طبيعة القوى غير التقليدية التي تواجهها، وستواجهها “إسرائيل” أكثر، مشيراً إلى أن أعداء هذه الأخيرة يجنحون إلى تبنّي استراتيجية “الحرب غير المتماثلة” (Asymmetric warfar) والتي تعرّف بأنها “حرب بين متقاتلين تتباين إلى حد كبير قدراتهم العسكرية، ويتبنّون استراتيجية وتكتيكات غاية في الاختلاف”.
وفي وقت لاحق، طورت هيئة الأركان “الإسرائيلية” ما أطلقت عليه اسم “مفهوم تايفن”، ليكون بمثابة تسوية بين رؤيتين عسكريتين تستندان إلى تطوير القوة البرية والحفاظ على دور سلاح الجو المتطور في آن. وقد اعتبر الخبراء “الإسرائيليون” آنذاك أن إقرار هذا المفهوم الجديد يسمح للجيش “الإسرائيلي” بإعادة ترميم نفسه، ويعيد الوهج إلى ذراعه البرّية التي كانت ميزانيتها قد قلّصت بنسبة 30 في المائة في الفترة بين 2003 و2006.
“مفهوم تايفن” هذا كان وراء المناورات البرية الكبرى التي أجرتها القوات “الإسرائيلية” على نحو متواصل منذ نهاية حرب ،2006 والتي خاض فيها عشرات آلاف الجنود “الإسرائيليين” معارك وهمية مع قوات تحاكي وحدات حزب الله، وأيضاً الوحدات الخاصة السورية التي تبنت هي الأخرى مبدأ حرب العصابات الصاروخية.
الفكرة هنا بسيطة: سلاح الجو “الإسرائيلي”، جنباً إلى جنب مع الدرع الصاروخي المُسمّى “القبة الفولاذية”، قادر على تسديد ضربات قاتلة للصواريخ بعيدة المدى، لكنه عاجز عن التصدي او تحييد الصواريخ القصيرة ومتوسطة المدى والتي أمطر بها حزب الله العمق “الإسرائيلي” بوابل لاينقطع منها. وبالتالي، لامناص من استخدام القوات البرية لمعالجة مناطق إطلاق الصواريخ، حتى ولو كان الثمن مكلفاً.
هذه المعطيات مجتمعة تشي بأمر واحد: الحرب “الإسرائيلية” المقبلة (والوشيكة؟) لن تكون على غرار حرب ،2006 بل قد تُشبه إلى حد بعيد حرب 1982 في لبنان أيضاً.
كيف؟









